الشيخ محمد حسين الحائري

385

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

مع تسليم كونها علة تامة للحكم المطلق لكن وضوح فساد الثاني يمنع من تنزيل كلام مثله عليه بعد ما علم من سعة باعه في علم المعقول فيتعين الحمل على الأول وربما كان في كلامه تلويحات إليه فائدتان الأولى علية العلة قد تعرف بالتنصيص عليها بلفظ دال عليها وضعا كالباء واللام وما يرادفهما من الأسماء كالسبب والعلة وقد تعرف من تعليق الحكم على الوصف لاشعاره بالحيثية التعليلية في بعض الموارد وقد تعرف من اقتران الخطاب بما لولا كونه علة لاستبعد اقترانه به وذلك كما لو سيق الخطاب طلبا للجواز واقترن به ما يصلح له نحو قوله صلى الله عليه وآله كفر بعد قول السائل واقعت أهلي في نهار شهر رمضان بخلاف نحو قول المولى لعبده اسقني ماء بعد قوله جاء زيد أو طلع الفجر فإنه مما لا يقتضي الجواب غالبا أو لا يصلح المذكور وقد تعرف من الفعل كما لو سجد عند قراءته لآية السجدة أو سماعه أو من التقرير كما لو فعل ذلك غيره عنده فأقره عليه وقد تعرف بالقرائن الحالية والشواهد الاستنباطية البالغة درجة اليقين ويسمى القياس حينئذ بالقياس المنقح المناط وكيف كان فمتى علم بالعلة التامة للحكم ولو بظاهر معتبر كما في المنصوص وجب تعدي الحكم إلى سائر موارد العلة لامتناع تخلف المعلول عن علته التامة وهنا إشكال لا بأس بالتعرض له ولدفعه وهو أن أصحابنا الفقهاء قد صرحوا في غير موضع بأن علل الشرع معرفات وليست بعلل حقيقية فأجازوا لذلك من توارد عدة منها على معلول واحد كما نبهوا عليه في مسألة تعاقب الاحداث الموجبة للطهارة وهذا ينافي القول بحجية هذه الأنواع من القياس لابتناء حجيتها على اعتبار العلة علة حقيقية تامة ضرورة أن العلل الغير الحقيقية أو الناقصة يجوز انفكاكها عن معلولها ووجه الدفع أن علل الشرع على ضربين الأول العلل المجعولة في الشرع عللا وأسبابا بالأحكام مخصوصة كعلية الاحداث لوجوب الطهارات والافطار والظهار والايلاء والحنث والصيد لوجوب الكفارات والتصرف والاتلاف لثبوت الضمان والعقود والايقاعات لوجوه النقل والانتقال والفك والبينونة إلى غير ذلك وهذه العلل إذا قيست إلى الاحكام التي يترتب عليها شرعا كانت معرفات لها ومبينات لتحققها بعللها الواقعية لا عللا حقيقية لانحصارها في الأربع وعدم كونها من المادية والصورية واضح وكذا كونها من العلة الفاعلية لاستناد جعل الأحكام الشرعية إليه تعالى لا إلى تلك الأسباب وكذا عدم كونها من الغائية لظهور أن ليس المقصود بوضع تلك الأحكام ترتب تلك الأسباب عليها الثاني العلل التي هي منشأ الحكم وجهات حسن تشريعه وما يستند إليه مطلوبية الفعل أو مبغوضيته كإسكار الخمر الموجب لمبغوضية شربها وهذه العلل علل حقيقية وليست بعلل وضعية إذ مرجعها إلى العلة الغائية فإن المقصود من تحريم الخمر حفظ المكلف عن السكر وفساد العقل وما ذكره الفقهاء من أن علل الشرع معرفات فإنما عنوا به القسم الأول بقرينة ذكرهم ذلك في سياق تلك العلل وقد عرفت أنها لا تصلح للعلية الحقيقية بالنسبة إلى الاحكام التي تعد عللا لها وإن كانت بالنسبة إلى الآثار التي قصد بوضع تلك الأحكام رفعها أسبابا عقلية كما أن رفع تلك الآثار إن قيست إلى تلك الأحكام كانت عللا غائية لها فظهر أن الفرق بين القسمين إضافي ومن هنا نقول لو علم في القسم الأول أن وجوب الطهارة عن الاحداث الثلاثة إنما هو لإزالة حالة حدثية حادثة من خروج الاحداث وعلم بحدوثها بأمر آخر حكمنا بوجوب الطهارة له ورجع إلى القسم الأخير ثم يبقى الكلام هنا في جواز توارد العلل الغائية على معلول واحد وتحقيق الكلام فيه أن الحكم المعلل بها إن كان قابلا للشدة والضعف كالوجوب والتحريم وأخويهما وصلح توارد الأسباب عليه لإفادة تأكده كان معلول إحداهما حال الانفراد غير معلول المجموع حال الاجتماع فيكون علية المنفرد للضعيف مشروطة بعدم الانضمام إذ حال الانضمام يكون المعلول أمرا آخر وهو القوي المباين للضعيف ولو لم يكن الحكم قابلا للشدة والضعف كالإباحة والصحة والفساد أو كان ولكن علم عدم تأكده بطريان مثل العلة كالاحداث المتعاقبة جاز أن تكون علية الثاني مشروطة بعدم سبق المتقدم فيكون الثاني معرفا وكاشفا محضا ويصح اعتباره في النية فينوي في مسألة تعاقب الاحداث رفع الحالة المنكشف عنها بالاحداث المتعاقبة وأن لا تكون مشروطة به فيشترط استدامة التأثير به فيكون العلة بعد تحققه هو والسابق كما في صورة التوارد في زمان واحد والأسبقية لا يصلح للترجيح حينئذ لان العلية إذا كانت مستدامة كانت بالنسبة إلى كل زمان كالعلية الابتدائية الثانية القياس بالطريق الأولى هو القياس الذي يكون علة الحكم فيه في الفرع أقوى وآكد منها في الأصل ولا بد في الحجية من العلم بها وبكونها كافية في ثبوت الحكم وبتحققها في الفرع وقد يطلق عليه القياس الجلي وهو أعم منه من وجه لان المراد به ما كان الفارق فيه بين الأصل والفرع معلوم الانتفاع ولا يعتبر العلم بالحكمة المحققة لعلية العلية بل يكفي مجرد العلم بالعلية كما في المنصوص العلة ولا يكفي مجرد الظن بأصل العلية أو بتماميتها أو بتحققها في الفرع ما لم يكن بأحد الظنون المعتبرة وقول العلامة بعد ذكر منصوص العلة وقياس الضرب على التأفيف ليس من هذا الباب لان الحكم في الفرع أقوى مما لا ظهور له في الاكتفاء بمجرد كون العلة في الفرع أقوى وإن لم يثبت العلية بدليل معتبر كما توهمه الفاضل